الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
57
مختصر الامثل
وإذا لم توجد الشفاعة ، يتقدم الإنسان في الحياة الدنيا بدفع ( العدل ) وهوبدل الشيء من جنسه ، أما في الآخرة ف « لَايُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ » . وإذا لم تنفع الوسائل المذكورة كلها ، يستصرخ أصحابه لينصروه ويخلصوه من الجزاء ، وفي الآخرة لا يقوم بإنقاذهم أحد « وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ » . القرآن الكريم يؤكد أنّ الأصول الحاكمة على قوانين الجزاء يوم القيامة تختلف كلياً عما هو السائد في هذه الحياة ، فالسبيل الوحيد للنجاة يوم القيامة ، هو الإيمان والتقوى والاستعانة بلطف الباري تعالى . تاريخ الشرك وتاريخ المنحرفين من أهل الكتاب ، مليء بأفكار خرافية تدور حول محور التوسل بمثل الأمور التي ذكرتها الآية الكريمة للفرار من العقاب الأخروي . ذكر صاحب تفسير المنار بعض العادات المصرية التي لا تزال يعمل بها باسم الدين وهي من إرث قدماء الوثنيين ، كاعطائهم لغاسل الميت شيئاً من النقد يسمونه « اجرة المعدية » أي اجرة نقله إلى الجنة . ثم ذكر المكفرات التي يعتقدها اليهود كقربان الإثم وقربان الخطيئة وقربان السلامة والمحرقة والاكتفاء ممن لم يجد القربان بحمامتين يكفر بهما عن ذنبه . القرآن ومسألة الشفاعة : « 1 » العقاب الإلهي في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة ، لا ينزل بساحة الإنسان دون شك من أجل الانتقام ، بل إنّ العقوبات الإلهيّة تشكل عنصر الضمان في تنفيذ القوانين ، وتؤدي في النتيجة إلى تقدم الإنسان وتكامله ، من هنا يجب الاحتراز عن أي شيء يضعف من قوة عنصر الضمان هذا ، كي لاتنتشر بين الناس الجرأة على ارتكاب المعاصي والذنوب . من جهة أخرى ، لا يجوز غلق باب العودة والإصلاح بشكل كامل في وجه المذنبين ، بل يجب فسح المجال لإصلاح أنفسهم وللعودة إلى اللَّه وإلى الطهر والتقوى . « الشفاعة » بمعناها الصحيح تستهدف حفظ هذا التعادل . إنّها وسيلة لعودة المذنبين والملوثين بالخطايا ، وبمعناها الخاطئ تشجع على ارتكاب الذنوب . أولئك الذين لم يفرقوا بين المعنى الصحيح والخاطيء لمسألة الشفاعة ، أنكروا هذه
--> ( 1 ) « الشفاعة » : من « الشفع » بمعنى « الزوج » و « ضم الشيء إلى مثله » يقابلها « الوتر » بمعنى « الفرد » ثم اطلقتعلى انضمام الفرد الأقوى والأشرف إلى الفرد الأضعف لمساعدة هذا الضعيف .